الرئيسية / نكز ( محمد الراشدي ) / حلية الصبية في صفة البرمجة العصبية

حلية الصبية في صفة البرمجة العصبية

حَدث المُبرمج بن أبي تنمية قال: خرج الفاغر بن صعصعة يوماً من بيته رابعة النهار وقد تجرد من ثيابه فلم يترك منها شيئاً، وجعل يسير في الطرقات والناس يسيرون خلفه يصرخون به ويزجرونه ويرجمونه بالحجارة فما يأبه لذلك من شيء وما يزيد إلا طمأنينة في مشيه وثباتاً في خطوته وما زال كذلك حتى وافانا أنا وبعض أصحابه جلوساً في ظل حائط لابن حنتمة ، فلما رأيناه راعَنا منظره، وغلب على ظننا أنه جِن وقمنا جميعاً فهرعنا إليه من فورنا فلما بلغناه تحلقنا حوله نحميه من الناس وجعلنا نرمي عليه فضول ثيابنا نستره فكان يتلقفها بيديه فيرمي بها ولا يدعها تمس جسده حتى أنهكنا ونحن نصرخ به: استتر، هل جننت؟، فيقول: إليكم عني، ليس بي جُنة، ولكني تعلمت علماً وكرهت أن أكون ممن يتعلم العلم ولا يعمل به !

فقلنا، وقد تملكتنا الدهشة: ويحك، أي علم هذا الذي يحملك أن تتجرد من ثيابك وتخرج في الناس عاريا !

قال: مررت ببعض الصالحين من أهل التنمية البشرية والبرمجة العصبية في حلقة علم لهم فسمعتهم يقولون: أطلق العملاق الذي بداخلك!، وقد جهلت موضع العملاق مني وكرهت أن أزعج الصالحين بكثرة السؤال وارتأيت أن أتجرد بالكلية فما كان من عملاق فليظهر وما كان من عري فيعذرني عليه الناس، وما أنا إلا متبع !

فلما سمعنا منه ذلك عم الذهول، وساد الصمت، وتفرق الناس يصفقون اﻷكف و”يحوقلون” ، وبقينا ننظر إليه ذاهلين حتى سمعنا نهيق حمار،  فتلفتنا فإذا ابن دليخة واقفاً أمام حمار له، قد غطى عينيه بيديه وهو يخاطبه فيقول: يا حماري؛ تخيل نفسك غزالاً، ستكون غزالاً، أنت الآن غزال، أنت غزال !

فلما رأى دهشتنا واستغرابنا، أخرج من جيبه رقعة جلد وقال: أتعجبون من صنيعي، فاقرأوا هذه ففيها سيرتي الذاتية، فلما قرأنا وجدناه يعرفُ بنفسه ويعدد مآثر له لا تكاد تعد، ومنها أنه أسهم في برمجة قطعان من الحمير وهي اليوم غزلان سارحة مستمتعة بحياتها !

وكانت سفرجلة العوادة وهي جارية ماجنة لابن أبي كرش واقفة في شرفة منزل سيدها على عادتها كل يوم، إذ تخرج إلى الشرفة فتضرب على العود وتدخن، وترقص “بربس”، وإذا استحسنت من المارة أحداً قامت تغني بصوت مرتفع “الحلو تحت العمارة”، فلما أطلت في يومها ذاك رأت الفاغر بن صعصعة، فنادت الواقفين منا: ما بال هذا المعتوه تجرد من ثيابه !

فأجابها ابن دليخة: يخرج العملاق الذي بداخله! فنظرت جهة الفاغر ثم انفجرت ضاحكة .

رأي : محمد الراشدي

m.alrashdi@saudiopinion.org

 

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *