الرئيسية / سبْر ( خالد العمري ) / ذكرياتُ «الحارة» وصديقُنا «الجنرال»

ذكرياتُ «الحارة» وصديقُنا «الجنرال»

لم يكن أكبرنا سنّاً يتجاوز الخامسة عشرة عامًا حينما غزا صدام حسين الكويت، ولم يكن أكثرنا فطنةً ليعلم حقيقة الأمر وأبعاده وتداعياته، إلا أنّ هذا لا ينطبق على صديقنا الذي كنّا نلقبه بـ«الجنرال» حيث كان عظيم الشغف بالجوانب الأمنية والسياسية، وكان يملك جواباً لكل سؤالٍ – بغض النظر عن صحة هذا الجواب – كما كان يملك تفسيراً عجيباً لكل حدث، وكان من روائع تفسيراته وعجيبها للغزو العراقي للكويت أنّ من قام بهذا الغزو هو الجيش الإيراني لكي يورط العراق! ولا يذهب بك الظن أيّها القارئ الكريم مذهباً بعيداً، فتظن أنّنا كنّا نسلم له بهذا التفسير دون جدالٍ ونقاش، إلا أنّ إجابته الشهيرة على كل معترضٍ كانت تنهي النقاش، هذه الإجابة السحرية هي قوله: اقرأوا كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» إذا لم تصدقوني.

وبما أنّ هذا الكتاب كان يتسيد المشهد في تلك الأيام الخوالي، ولأنّ لا أحد من أولئك الفتية قرأ ذلك الكتاب، كنّا نصمت رغماً عن كل شيء.

وكان لصديقنا «الجنرال» طريقةٌ بديعةٌ في ربط الأحداث ببعضها، حيث يعتقد أنّ دعم الرئيس الأمريكي ريغان لعصابات الكونترا في «نيكاراجوا» هو السبب الرئيسي لتحالف صدام حسين مع الاتحاد السوفيتي ورفضه للسلام مع إيران، ولأنّنا لم نكن نعرف عن كل هذه الأسماء والمصطلحات شيئاً يُذكر، كنّا نصمت هرباً من الإحالة على كتاب بروتوكولات حكماء صهيون.

ما ذكرني بصديقنا «الجنرال» بعد كل هذه السنوات، كان اتصالا هاتفيًا وردني من أحد المعدّين في قناةٍ تُصنف أنّها ذات مهنيةٍ عالية، وقد طلب مني هذا المعدّ الجهبذ عمل مداخلة في أحد البرامج المباشرة، وحينما أجبته بعدم اطلاعي على الموضوع، وعدم وجود تصور كافٍ لدي، صمت قليلا ثم قال – لا فُض فوه: يا أستاذنا خذ لك جولة سريعة في «قوقل» قبل البرنامج بعشر دقائق وتعرف كل شيء عن الموضوع. انتهى نص كلامه -حفظه الله- وحينها قررت أن أتابع مجموعةً من المحللين في البرامج الشهيرة، وكانت نتيجة هذه المتابعة –للأسف- أن اكتشفت أنّ غالبية هؤلاء المحللين ليس بينهم وبين صديقنا «الجنرال» فارقٌ يُعتد به، كما تبين لي أنّ معظمهم يعمل بنصيحة المعدّ الجهبذ سالف الذكر «جولةٌ سريعةٌ على أي محرك بحث» ثم ظهورٌ هش، وغثاءٌ معرفي مخجل.

صديقنا «الجنرال» كان يقول: بعض الرؤوس تليق بالتيوس. يا لبراعته وحكمته!

رأي: خالد عوض العمري

k.alamri@saudiopinion.org

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *