معتركُ المنايا

يُطلق على المرحلة السنية بعد الستين –فلسفيًا- بـ«معترك المنايا» ففي هذه المرحلة يدخل الإنسانُ مرحلةَ التقاعد، وهي مرحلةٌ جديدةٌ في التعايش مع واقع جديد عليه، وهنا تحضر ثقافة وقدرات الإنسان على التكيف مع هذه المرحلة بكل ما فيها من «مطبات» ومواقف، ومنعرجات صحية وزوايا ركن النسيان وما شابه ذلك.

بعضُ الأشخاص فور تقاعده يدخل في غيبوبة التوهان، ويتراجع ذهنيًا وصحيًا ويصبح الوقت لديه مملًا للغاية، ويفقد محيطه من الأصدقاء، ووسائل التعامل من أنماط شخصية مختلفة عن ذي قبل، والبعض يتهيأ لمرحلة التقاعد، ويرتب أوراقه بحيث لا تكون هذه المرحلة صادمة له، بل مرحلةٌ جديدةٌ ونظامٌ يوميٌ مختلفٌ دون الإخلال بـ«ناموس القواعد الصحية» من نوم وغذاء وممارسة الرياضة البدنية، والرياضة الذهنية، وهنا تتضح الفوارق بين الذي يتقاعد فجأةً دون ترتيب، وتحضير نفسيًا ومعنويًا لهذه المرحلة، وبين الذي يتقبل الأمر قبل موعده ويضع برامج لحياته الجديدة، تجعل الحياة تسير بسلاسة وهدوء.

«معتركُ المنايا» مرحلةٌ مهمةٌ وخطيرةٌ على أي متقاعد إذا استسلم لزوايا النسيان الحادة، وسقط في وهم التجاذبات النفسية المنهكة، ويتضرر منها كل شخص يبعثر الوقت والطاقة سلبيًا، بحيث تمر عليه الساعات خاملًا محبطًا ومشتتًا ذهنيًا ووجدانيًا، بينما هناك نماذج تتجاوز محطة «معترك المنايا» بالثقافة العالية، والاستثمار الإيجابي للوقت بالقراءة والرياضة والحراك المتعدد مع تعدد الصداقات، والهروب من تقليدية تسرب الوقت، والبعض يتفوق على ذاته بالتفكير الإيجابي خارج الصندوق من خلال استثماره للخبرات التراكمية التي يكتنزها، وتقديمها تفاعليًا مع المجتمع المحيط به من خلال صلته وتواصله مع الجمعيات الخيرية واللجان التطوعية والنشاطات المجتمعية المختلفة، وهنا يصبح الشخص أكثر سعادة وهو يقدم ذاته وعصارة فكره في المجالات التي تفجر طاقاته وإمكانيته.

خالد الفيصل استقبل «معترك المنايا» برائعته:

يا مرحبا بك يا ثمانين عمري

لو ما هقيت إني أشوفك وأنا حي

الشمس تمضي، واْنجم الليل تسري

وكل شيٍّ صار في عينيْ شْوَي

أبحث عن اللي يرفع الراس واشري

ما اْشغلت نفسي بالملذات والغيّ

رأي: صالح الحمادي

s.alhammadi@saudiopinion.org

صالح بن ناصر الحمادي، دكتوراه آداب تخصص تاريخ عمل في سلك التعليم، مدير تحرير سابق في صحيفة الوطن، مسؤول تحرير جريدة الاقتصادية سابقاً في عسير، كاتب صحفي في عدد من الصحف السعودية، وعضو اللجنة الرئيسية لجائزة أبها، له عدد من الكتب أهمها ناحية عسير في العصر الجاهلي والعصر الإسلامي المبكر، وعلاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ببلاد عسير ، السعوديون صقور الصحراء يغزون العالم ، المسافر في ثلاث أجزاء وكتاب فرسان من عسير .

تعليق واحد

  1. أبدعت يادكتور الصالح فعلاً كمايجب ان يخطط الشاب لمستقبله يجب ان يخطط الرجل الناضج لما بعد التقاعد ويجعل حياته مليئه بالرضا والسعاده

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *