المُترجمُ الرَّسول

إنهُ لأمرٌ فطريٌّ أن ينصُرَ المرءُ عشيرته ويمتدحهم بأبهى الحُلل وأكملِ الصفات، وكوني مترجمةً من معشرِ المُترجمين -وإن كنتُ لا أزال مبتدئةً في المجال- فإنني لأفعلُ ذلك بالتأكيد.
ولكنني سأكتبُ اليومَ عن المترجمِ الحقيقيّ، الذي أَعُدُّهُ «مترجمًا رسولًا» بما تتضمنهُ الكلمة من معاني الإخلاصِ والأمانة وإيصال الرسالة بفحواها بدقةٍ وإيفاء، وليس مترجمًا عاديًا ناقلاً للكلمةِ عن الكلمة، وأعظم مُترجم، الذي وقع على علمٍ فريد أو أدبٍ رفيع فترجمهُ رغبةً منه في نشره وبسطِ فائدته، دون عائدٍ أو شهرة.
إنَّ الترجمةَ رسالةٌ عظيمة، غيرت وجه ثقافةِ بلدانٍ بأكملها، وأثرت في حياتهم وعلمهم، وذلك لأنها ليست مجرد تصافٍ لكلماتِ لغةٍ مقابلَ لغةٍ أخرى، فالترجمةُ تُحيلُ الرموز المُستغلقة إلى معانٍ متفتحة في عقلِ وقلبِ قارئها، فكيفَ لعقلينِ يتحدثان لُغتيْن مختلفتيْن أن يربُطهما مترجمٌ بجسرِ اللغة، فيزول الغموض، وتتضحُ المعاني، ويكتسبُ العقل معرفة، والقلب عاطفة.
ومع ذلك، فإن نظرة المجتمع عامةً -في اعتقادي- مما ألمسهُ من تعاملاتٍ يومية مع كثيرٍ من طالبي الترجمة، أنهم يرونها عملًا يسيرًا هيّنًا، وبالتالي فإنهم ينتقصون من قيمة المجهود المبذول فيها، فما الصعوبة في نقل نصٍ من لغة إلى لغةٍ أخرى! فرأيهم أن الترجمةَ الآلية انتشرت في عالمنا المتقدم، ولم يعُد المترجمُ يبذلُ ذاك الجهد العظيم فيها، وإنني أتفقُ معهم في عدم مقارنة المشقّة بالماضي، ولكن ليس في الاعتماد على الترجمة الآلية، فإنني أتحدثُ هنا عن المترجم الحقيقي، الذي يغوص في أعماق النص ويكرّس جُل ذهنه وقلبه في نقل معانيه بإخلاصٍ وتفانٍ، ثم ما المجالُ الذي يخلو من التقنية في عصرنا الحالي؟ وهل يحقُ لي أن أقلل من جهدِ طبيبٍ يُجري عمليةً بأحدثِ تقنياتِ التطور لأنه لم يعُد يستخدم «كمّاشة الأسنان».
فإنه من غير المُنصف وغير المنطقي أن أقلل من شأن مهنة ما لدخولها نطاق التطور التقني، فجميعنا قائمون على التقنية، ولا زالت تتفاوت جودة المُنتج من فردٍ إلى آخر.
إنّ المترجم الحقيقيّ يمتهن النص الذي يترجمه، وليس مختصًا في اللغة فقط، بل تجدهُ موسوعةً من المعارف، بالإضافة إلى تمكنه من اللغتيْن، واطلاعه على ثقافة الشعبيْن، وتفتح مدارك عقله وقلبه لاستقبال المعاني وليس الألفاظ، فحين يترجم نصًا طبياً، يصبح مترجماً طبيباً، وحين يترجم نصاً أدبياً يصبحُ مترجماً شاعراً.
إن المترجم الرسول الحقيقيّ -في نظري- هو الذي تقرأ نصَهُ المترجَم، فتشعُر أنك تقرأُ نصاً أصيلاً، وليس منقولاً عن لغةٍ أخرى.

رأي: سمر آل موسى

s.almosa@saudiopinion.org

سمر جمعه آل موسى، كاتبة ومترجمة، ساهمت في عدة صحف محلية ومجلات عربية، عملت كمذيعة في إذاعة محلية ومعلقة صوتية للعديد من الجهات، حاصلة على بكالوريوس اللغة الإنجليزية والترجمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *