زُفقِيلم !

كان أبو علقمة نحوياً أشتهر بتقعّره في الكلام، وغريب اللفظ، وقد تحدثت عنه العديد من المصادر، ووصفته وكأنه يعمل أستاذاً في الجامعة للبلاغة والنقد على أيامنا هذه، أو على الأقل كأنه “رقيباً” مسؤولاً عن إجازة المواد قبل نشرها، فمما يروى عن أبي علقمة بأنه كان له غلاماً، وهذا الغلام سئم من تقعّر سيده، وذات ليل بهيم نادى أبو علقمة على غلامه: يا غلام أصعقت العتاريف؟ فقال الغلام: زفقيلم، قال أبو علقمة وما زفقيلم لم أسمع بها من قبل!، قال الغلام: وما صعقت العتاريف فأنا لم أسمع بها من قبل أيضا!، قال: أصعقت العتاريف أي هل صاحت الديكة؟ قال الغلام: والزفقيلم تعني أن الديكة لم تصح يا مولاي فأكمل نومك.

ما دعاني لسيرة صديقنا أبو علقمة هو “التعلقم” الجديد في الإعلام، والنسخة العلقمية الجديدة لا تنبش المصطلحات والمفردات الشاذة من كتب اللغة لتستعرض بها، فلو كان الأمر كذلك لقلنا يكفي أنهم يتعبون في البحث والتأصيل، لكن غزت في الأونة الأخيرة الإعلام – في التلفزيون تحديداً – تيار جديد يتحدث بدمج اللغة العربية “المكسرة” باللغة الأنجليزية المهشّمة أيضاً، رغم أنه يظهر بقناة عربية ويحاوره مذيع عربي ويتحدث لمشاهدين عرب، ورغم ذلك يتباهى بأن يحاول الاستعراض في لغة لا يجيدها فيصبح كأنه “معايد القريتين” الشهير، وهذا يعني المشكلة الاتصالية بين المتحدث والمتلقي تزداد سوءاً، وقد كانت هذه المشكلة في السابق حصراً على بعض المسؤولين الذي ما أن يصرح أحدهم إلا وتنطلق التأويلات حول تفسير كلامه، حتى كدنا نطالب من بعضهم أن يوزع بعد كل تصريح كتيب باللغة العامية يقول فيه ما يريد قوله ببساطة، والمشكلة التي تواجه بعض المسؤولين أنه يعتقد إن كلامه العادي الذي يقوله في المكتب أو بالشارع أو بالبيت لا يصلح أن يتحدث به للإعلام، فلهذا إذا واجه الإعلام حاول أن يتحدث بالطريقة التي لم يمارسها من قبل، ولهذا أما أن يأتي كلامه بطريقة “موضة” الخليط العربي/ الأنجليزي، أو يأتي بعامية “متفصحنة” فلا هي التي فهمهما المواطن البسيط، ولا هي التي جعلته يسلم من سخرية المتخصصين، وبهذا حتى نسخة أبي علقمة الحديثة تكون نسخة مشوهة، ولهذا ينبغي على من يتحدث للناس – خاصة عندما يكون هذا الحديث يمس مصالحهم – أن يكون واضحاً، والأمر ذاته ينطبق على الكتابة أيضاً، مالم يكن الحديث موجهاً لمختصين كالكتابة في دورية متخصصة في شأنٍ ما، أما التقعّر فلا جدوى منه حتى وإن كان الهدف منه محاولة الإيحاء للمتلقي بأنك تفهم، لكنه سيكتشف بسهولة أنك تخادع نفسك، وستكون وجبة سخرية على مائدة “الواتساب” أعانك الله وهداك إلى الحق .

رأي فهيد العديم

f.alodim@saudiopinion.org

بكالوريوس اجتماع، صدر له كتابان "أشلاء أخري" و "الحقيقة وحيدة في الكازينو"، كتب في عدد من الصحف الورقية منها الشرق ومكة والوطن والرياض.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *