معركة بلا راية

المُرَاقبُ – بعنايةٍ – يجِدنا محفوفين بشخصياتٍ وطنيةٍ مُلهِمة ، تأثَّرنا بها ، لِمَا امتلكتهُ من علوم وثقافات وتجارب أهَّلتها كي تكون في الصفوف الأمامية ، وتدفع عَجَلات التقدُّم لهذا الوطن العظيم بكافة قطاعاته .

وعندما نتناول هكذا شخصيات ، ونُفرِد للكتابة عنها المساحات ، فإننا لن نعدو شخصيةً بُثقلِ غازي القُصيبي ، الذي تَقلّد المناصب ، واجتاح الميادين، ووضع اللبِنات ، وأنجز المُهمَّات. فتجربته الثرية جديرةً بتسليط الضوء عليها .

“غازي” من الشخصيات التي تستطيع قراءتها من أكثر من اتجاه، إنْ قرأْتَها من البداية أو النهاية ستكتشف أنَّ هُناك مكنونًا جميلًا جَعَلَ الدهشة تعلو وجهك !

شُنَّتْ ضِدَّه حُروبٌ ضاريةٌ ، سواءً على مُستوى حياته الفكرية أو العملية ، لعلَّ أولها إبَّانَ طرحه لديوانه الثالث “معركة بلا راية” عام 1970م الذي خَلَّفَ معركة بِحَق، لكنهُ قابلها بِتُؤَدَةٍ وعاملها بِرَويًّة ، ولم يتعجَّل الانتصار، لأنه كان على يقينٍ أنَّه كُلَّما تأخّرَ الانتصار ، كلما كان وقعهُ أعتى ، وطعمهُ ألذّ .

لم يَرد على مناوئيه قولاً ، بل آثرَ الرد عملاً ، لأنه على علم أنهم مهما حاربوا قناعاته ، فإنه في يومٍ ما سيُصبِح حقيقةً بَجلاء لا مَلاذ منها يُقِرُّونَ بها مهما أنكروها .

جمع الأضداد والمُترادفات، فعرفناه شاعرًا ، ومُفكِّرًا ، وأديبًا وعرفناه دبلوماسيًا ، ووزيرًا وقبل هذا كُلّه : مواطنًا صارمًا في تأدية مُنجزاته ، وحريصًا في إنجاز معاملات المواطنين خشية تأخيرها ، ليس وَجَلاً من نظرة الناس له ، بل من نظرتهِ هو لذاته .

كان يُسَدِّدُ الفكرة بشغفٍ ، فتتحوَّل إلى هدف ، ولعل أبرز الدلائل ، فكرة تأسيس جمعية الأطفال المعاقين بالمملكة ، والتي طلب تحويل كامل مرتباته لها في آخر ثلاثين سنة من حياته ، وكذلك تأسيس شركة “سابك” العملاقة ، التي اختار لها اسمها ، وبدأت حياتها تحبو في مبنى مُستأجَر في العاصمة الرياض ، ثم أمسَتْ أضخم شركة من حيث القيمة السوقية في سوق الأسهم السعودية .

عاصَرَ ولادة “سابك” التي كان يُطلِقُ عليها ابنتي الثانية ثانية فَثانية وكَتَبَ المسودة الأولى لنظامها بخط يده ، وراجَعَ المسودة النهائية كلمة كلمة بِحَسْب كتابه الشهير “حياة في الإدارة” .

رحل “غازي” بعد رحلة طويلة مُثخَنَةٍ بالتجارب المضيئة، رحل وترك خلفه إرثًا ثقافيًا وفكريًا وأدبيًا نفيسًا ، رحل خالدًا ، رحل وليته ترك بعده ألف “غازي” .

رأي : رائد البغلي

r.albaghli@saudiopinion.org

كاتب و مدوّن ، حاصل على البكالوريوس في ادارة الأعمال ، و دبلوم في المحاسبة التجارية. له العديد من الكتابات المنشورة في الصحف الرسمية السعودية و الخليجية و مواقع التواصل الإجتماعي ، و أبرزها : صحيفة الرياضي ، و الشرق ، و اليوم ، و الراي الكويتية ، و الاقتصادية.

تعليق واحد

  1. رحم الله غازياً فقد كان كذلك وهذا هو ديدن من يملك عقلية النمو، كما تقول البرفسورة كارول دويك من جامعة استانفورد، وهكذا هم الشغوفون المثابرون الذين لا يملون كما تقول البرفسورة انجيلا داكورث من جامعة ولاية بنسلفانيا
    احسنتم إستاد رائد على وفائكم جزءًا من حق هذا المواطن الصالح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *