أحن إلى خبز أمي

تماماً كـ”درويش” نحيا أعمارنا مأسورين بالحنين إلى أمهاتنا ، إلى رائحة الحناء في شعورهن ، صوت دعائهن الدافئ و قوائم الطعام التي اعتدنا أصنافها منذ الصغر .

ليس فقط لأن الأمهات هن مصدر الحنان والحب الذي لاينضب بل لأنهن أيقونات المحافظة على تفاصيل الزمن الجميل فهن دائماً الأميل إلى الثبات و ابقاء التراث حاضراُ مُعاشاً , لكن مهلاً ألا يبدو أن هذه القاعدة الجميلة على وشك أن تستبدل بقاعدة رائعة أجمل منها !

فها هي أمي على سبيل المثال تنبذ قائمة طعامها القديمة و طرقها التقليدية فتفاجئنا بأطباق جديدة كل أسبوع , فتستبدل الزيوت المهدرجة بأخرى طبيعية و الدقيق الأبيض بالدخن أو الشعير و تضفي عبقاً من رائحة الشرق الدافئة بالكاري و الزنجبيل و زهرات اليانسون .

كم تسعدني رؤية بريق عينيها و سعادتها و هي تتأمل التهامنا لطعامها الشهي جداً ليس فقط لأنه دليل على براعتها في الطبخ بل لأنه يعني أنها لا تزال تزهر تنمو و تتجدد .

أرى ذات البريق في عيني والِدي كلما اختلى في ورشته المنزلية يعد اختراعاً جديداً , في عيني صويحبات أمي اللاتي غزون العالم يلاحقن دورات اللغات و اليوغا و التنفس الطبيعي ، في عيون زملائي القدامى اللذين يقفون على مشارف الستين وهم يحاربون للحصول على تمديد في عقود العمل أو أولئك  الذين تقاعدوا بالفعل ليفاجِئونا بافتتاح مشاريع ضخمة مباشرةً أو إصدار كتبهم الأولى .

زخم رائع من الإنتاج و العطاء و التجدد من الشريحة العمرية الذهبية و التي كانت قبل عقود قليلة تعد عبئاً اقتصادياً في الغالب ، حيث كانوا يركنون إلى الوهن و الشيخوخة بملئ إرادتهم بل أن البعض كان يذوي تماماً حتى يموت تدريجياً  قبل الموت . 

 أجدني الآن أخطو خطواتي الأخيرة المتبقية نحو سن الأربعين بكل طمئنينة في زمن القلوب الخضراء و الأمل و التجدد هذا, فاليوم و بكل مصداقية أصبح العمر و تاريخ الميلاد مجرد رقم . 

رأي سلمى بو خمسين

s.bukhamseen@saudiopinion.org

 

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

تعليق واحد

  1. أجمل لوحة جميلة مميزة لفنان وقصيدة حب لشاعر ..
    ممكن تجسد ع الواقع ..
    وربما ع المسرح ..
    وفي حلقات درامية بلغات متعددة ..
    والقيمة فيها .. كل الديانات تجلها ..
    مشروع حب لا ينضب لا نهاية له مع ( أم )

    تمر السنين صعبة ..
    ويعتلى الراس شيباً ..
    ونلتقط من الحياة حلوها مرها ..
    ونوجة المصاعب ونروضها تارة ..
    ونسير في ركب تقاسم المعيشة مع الأخرين ..
    ونتذوق طعم النجاح بتفوق أبنائنا .. مع العلم ..
    ونلهو معهم في مراحل متعددة من العمر ..
    وفي لحظات .. السكون في حلنا وترحالنا مع السعادة ..
    لا قيمة لكل ماذكر أعلاة .. ا
    لا ببر أم .. كانت ع قيد الحياة أو في كنف الخالق سبحانة
    جد مقالتكِ .. كاتبتي الكريمة ..
    فيه رنيين جميل .. من خلالة .. أسمع صوت أمي رحمها الله ..
    وأمهات المسلمين وامثالهم من البشر..
    وفي نداها .. أثير طبقات النداء .. حب يسابق الصوت نفسه ..
    ومعه عاد الحنين لها .. بلمح البصر..
    مصوب بتقهق اللسان ولامعة عين أجد بعض الدموع الان ..
    تتساقط على جهاز الحاسب وقد تبلل الكثير منه دون سابق أنذار ؟!
    جميل قلمكِ ومقالكِ فاخر للغاية ..
    اسأل الله لنا ولكِ والقارىء .. البر مع أم كانت في مرمى العين ..
    أو كان لها النصيب الوافر من جنة الفردوس الأعلى عند عزيزاً مقتدر سبحانة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *