لحظةٌ من فضلك!

مَن كان يظنُ أنَّ التربيةَ أمرٌ هينٌ ويسير، وأنَّ مفاتحها قد تتأتى لهُ على طبقٍ من ذهب، فخيرٌ له ألا يختار طريقها، وأن يبتعد عنها كل البُعد، فلا يُنجب للحياةِ أبناءً حتى يرى في نفسه الأهبة والاستعداد لخوض غمارها.

إنهُ لمن المزعج جدًا أن ترى طرق التربية الخاطئة تحدث أمام عينيك، فلا تستطيع إيقافها، ولا تملك في يديك ما يخوّلكَ للتدخل بين الوالد وولده، فلا هو ابنك ولا أنت والده، ولكنك تشعر بالمسؤولية تجاه ذلك النشء، البرعمُ الصغير الذي تتلقاهُ أشعةُ الحياة بكل حرارتها ودفئها معًا، فحرارتها هي صعابها التي لابد أن يتمرّسَ على مواجهتها وتحملها، ودفئها هي حلاوتها وأن قلّت.

فتجدُ هذا يصرخ في وجه ابنه بحدةٍ، وقد يتلفظ بألفاظٍ قبيحة محطّمًا فيه شعور الثقة والعزة بالنفس والشخصية السويّة، وتجد هذا يضربُ ويصفعُ ويعنّف كأنما وُلِدت لهُ بهيمةٌ من بهائم الأنعام، فهو يصارعها ويطاحنها على أتفه الأسباب، وهذا يذكر سوءات ابنه أمام الجميع كأنما يستعرضُ شخصيته وهو في الحقيقة يُفسدها ويجعلها أسوأ فأسوأ، وهذا يعامل ابنه برقةٍ متناهيه وتلبية لكافة متطلباته صغيرةً كانت أم كبيرة، حتى ينفلت حبلُ الأدبِ والاحترام من بين يديه، ويُنسف معنى القناعة لدى الابن، فهو بذلك يُربّي عاقًا له ولنفسه وللمجتمع، وهذا يلغي شخصية ابنه تمامًا فلا يريهِ إلا ما يرى ولا يخيُّرهُ إلا ما يراه هو صحيحًا ونافعًا ويتّخذُ عنه القرارات كأنما ابنه مجنونًا لا يعقل ورفع عنه القلم.

كثيرة هي مظاهرُ سوء التربية، فيا -سيدي- الوالد، لحظة من فضلك، قبل أن تُصدّر لنا شخصياتٍ مشوهه، وعقولٍ مُضطربة، وبيوتٍ هاوية، ومستقبلٍ اللهُ بهِ عليم.

 

رأي: سَمر آل موسى

s.almosa@saudiopinion.org

سمر جمعه آل موسى، كاتبة ومترجمة، ساهمت في عدة صحف محلية ومجلات عربية، عملت كمذيعة في إذاعة محلية ومعلقة صوتية للعديد من الجهات، حاصلة على بكالوريوس اللغة الإنجليزية والترجمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *