الهياطدول!

الهياط، كلمة عربية فصيحة تعني الضجيج، ومنه الكلام الفارغ، ولذلك تجد “المهايطي” من أكثر الناس ضجيجًا، وكلامه تعبير مبالغ فيه عن نفسه وذاته وأصله، لذلك يأتي بمعنى التفاخر، والتباهي، وحب إظهار الذات، فهو سلوك اجتماعي ، وليس مرض عضوي.

 عُرف العرب بـ”الهياط” منذ القدم ، فهذا ملك الروم يكشف “هياط” أحدهم عندما سأله من انت ؟ قال أنا رجل أبني الدار، وأعز الجار، وأحمي الذمار، وأزاحم الجبال، وأنازل الرجال، قليلُ المال، عزيزُ العيال، ملكي عقلي وعدوي قلبي، فقال الملك لولا أنك رجل من العرب لقلت أنك نبي من السماء، ولكنكم معاشر العرب قوم تفخمون، أي “تهايطون”.

وهذا الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي قتله “هياطه” فعند عودته لبغداد محملاً بالجوائز قابله رجل سبق له أن هجاه يُدعى فاتك بن أبي جهل الأسدي ومعه رجاله، تيقن حينها أنه لا يمكنه مقابلته، وهمَ بالفرار، فقال له غلامه : لا يتحدّث الناس عنك بالفرار وأنت القائل: الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ، فردّ عليه المتنبي : قتلتني قتلك الله، فعاد للقتال فقاتل إلى أن قُتل ومات.

عمومًا العرب قديمًا كان “هياطهم” مقتصرًا غالبًا على الوجهاء، والشعراء، والخطباء، أما في وقتنا الحاضر فقد انتشر بشكل ملفت حتى أصبح ظاهرة تستحق الدراسة، حبٌ للظهور، إثباتٌ للذات ولو بطرق غير نظامية و مهلكة أحيانًا خاصة بين المراهقين. 

يحق لكل شخص أن يفخر بنفسه، وإنجازاته، أصله، وفصله ولكن بلا مبالغة، أما من يبالغ،و يزدري الآخرين فهذا لابد له من “هياطدول” -مضاد للهياط- جرعات عالية من التوعية والتثقيف، والعلاج السلوكي، وقد يصل هذا العلاج إلى فرض عقوبة رادعة، كما يجب على الآباء الانتباه لهذه المعضلة، ومعالجتها سريعًا إذا لاحظوا ذلك على ابنائهم، بتنشئتهم على التقدير الصحيح للذات، واحترام الآخرين والاتزان في الانفعالات.

 

‏ رأي : أحمد العوفي

a.aloffi@saudiopinion.org

أحمد بن جزاء العوفي، بكالوريوس كلية الشريعة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عمل في عدد من الصحف المحلية، كاتب سابق في صحيفة المدينة، كما نُشرت له عدة مقالات في بعض الصحف الإلكترونية، مهتم بالتربية، والشأن الاجتماعي، ناشر لثقافة التطوع، عضو إعلاميو المنطقة الشرقية، مارس الاعداد التلفزيوني من خلال القناة الثقافية السعودية وكذلك التقديم، صدر له كتاب خربشات فاضي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *