أبناؤنا أكبادنا

يعيش المرء لنفسه حتى يأتي اليوم الذي يصل فيه أبنائه إلى الحياة، عندها تتغير كل المعايير فيصبحون الأولوية رقم واحد، فمن أجلهم يستيقظ كل صباح لاهثاً خلف لقمة العيش ومن أجلهم يعودُ مسرعاً إلى المنزل نهاية النهار كي يغمرهم بحبه وعطفه وحنانه، وفي رحلة العطاء الطويلة تلك تتنازعه القرارات وتحيره الخيارات لكنه في نهاية المطاف يحاول جاهداً أن يقدم مصلحة أبنائه.

 إلا أن بعضهم يقع في مطب خطير حين يجعل من كلام الناس ورضاهم طرفاً في المعادلة! فيتقاعس مثلاً في البحث عن التشخيص الطبي أو العلاج أو التأهيل الأكاديمي الأنسب لوضع فلذة كبده خوفاً من تصنيفات الناس، فيختار أن يمنح نفسه وطفله عمراً من المعاناة محكوماً بمستقبلٍ فاشل بدلاً من الحصول على المساعدة المناسبة، فيتهرب من زيارة طبيب الأعصاب أو الطبيب النفسي لما في ذلك من اعتراف بأن لديه طفلاً مختلفاً أو متخلفاً، بينما في حقيقة الأمر قد يكون الطفل مصاباً بفرط النشاط أو انخفاض في نسبة الحديد أو تحسس من السكريات أو المواد الحافظة وبإمكان تعديل غذائي دوائي بسيط أن ينقذه من معاناته.

وليس هذا المثال الوحيد بل قد يحرم بعضهم أطفاله من ارتداء النظارات أو السماعات الطبية أو استخدام لغة الإشارة، بل ويتمادى البعض بدفع مبالغ طائلة لمدارس أهلية تقبل بطفلهم الذي هو من ذوي الاحتياجات الخاصة، رغم أن الطفل لن يستفيد تعليمياً وتربوياُ هرباً من أخذه إلى المكان الأنسب له في مدارس التربية الخاصة والتي قد تؤهله لمستقبل أفضل.

على الضفة الأخرى يعرض بعض الآباء أبناءه للخطر حينما يقوم بإخفاء إصابته بمرض السكري أو يعاني من حساسية بعض الأطعمة.

الرسالة هنا، كل أطفالنا رائعون مهما اختلفت احتياجاتهم، الاختلاف أو المرض ليس عاراً، إنكارك وإخفاؤك لاختلاف طفلك أو مرضه هو رسالتك له وللعالم أنك لا تقبل اختلافه، تقبل طفلك أولاً واحتضنه، حينها فقط سيتقبله العالم ويحتضنه بعدك. 

رأي : سلمى بوخمسين

s.bukhamseen@saudiopinion.org

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

تعليق واحد

  1. مقال رائع سيدة سلمى فقد وضعت اصبعك على الدمبلة. المشكلة الرئيسيّة التي قد نعاني منها هي ما يعرف “بالعيب” ان صح التعبير والذي ربما يتمثل في القول الشائع بين العامة ب “الفشيلة” لو عرف الناس ان طفلاً عند عائلة ما هو من ذوي الاحتياجات الخاصة سواء أكانت بدنية ام ذهنية وتشمل حتى الدسلكسيا – عسر القراءة. ولعل اظهر سبب هو في المقام الأول اجتماعي وخوف الأبوين من رفض المجتمع – social rejection – والذي ربما يؤدي الى عدم اعتراف الأبوين بالمشكلة التي يعاني منها طفلهم . ولعل السبب في كل ذلك هو قلة الوعي لدى كل من المجتمع و الأبوين في التعامل مع هكذا اطفال مما يؤدي الى تفاقم المشكلة وصعوبة حلها

    شكراً لك سيدتي للتعرض لهذا النوع من المشاكل الاجتماعية، وبوركت العطايا ووفقت لكل خير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *