الرئيسية / مرافئ ( ليالي الفرج ) / الإجبارُ الناعم

الإجبارُ الناعم

تكثرُ أصواتُ انتقادِ ظاهرة التبذيرِ والمبالغات الفارهة في حفلات الزفاف، ورغم أن هناك خطوات خجولة لكسر ذلك القالب للخروج من إطار الصورة الفاقعة التي أَلَفناها في التباهي بهيئةِ ومستوى حفلِ الزفاف، إلا أن هناك مساعي لتغيير هذا الواقع، وترك بصمات واعية مغايرة للآخرين بلمسةٍ مبتكرةٍ وبعيدةٍ عن التبذير،غير أن زفاف “مرام” كان مختلفاً، لم تكن تلك المبالغة للتباهي، لكنها لِسَدِّ فَجْوة الرغبة في حياة جديدة وبناء مستقبل عائلي قادم، فالجميع في حالةِ بحثٍ عن صور مستحدثة لطقوسِ زفافِها، حتى وإن كانت تلك اللمسات مُكلفة بما يفوق إمكانات العائلة، لكن ذلك لم يحرك فيها الرغبة في اختيار ما يحلو لها من تجهيزات كأي عروس في ليلةِ العُمر، ولم تكن تلك التجهيزات العالية المستوى سبباً لقشع زخات المطر الأسود من عينيها الذابلتين، وكيف للفرح من سبيل ! لقلبِ فتاةٍ في مقتبل العمر، وجدت نفسها في حُفرةٍ يَصْدق عليها وصف حُفْرة وأد البنات، وبصيغة أدق، وأد القلوب والمشاعر الأنثوية.

تُجْمِعُ العائلةُ كُلِها على وأد قلبها الفتّي، ويُحْكَمُ على معالِمِ أنوثتها أن ترنوا نحو زوج كان قبل عامين شريكاً لحياة أختها التي توفاها الله! وتركت إرثاً من جمالِ الطفولةِ “ريم وأحمد”.

ورحمة لتلك الطفولة ولنشأةٍ مستقرة في كنف الأبِ والخالةِ “بديلة الأم” كان ذلك مصدر هذا القرار الذي هو كوقع الصخرِ على روحها، أقنعوها بصيغةِ الإجبارِ الناعم، والصراخ الهادئ، أن لا خيار لها سوى أن تتقمص دور الأم الراحلة، وترتدي رداءَ المربِّيةِ الفاضلة المتفانية، وإلا ستدخل في دائرة الإجحاف، وانعدام الإخلاص لتلك الروح التي رحلت لبارئها، ولأن “مرام” أنثى، وقلب الأنثى كما يَصْدق عليه التشبيه القديم، بأنه يشبه الصحراء الشاسعة التي تُتَخذُ ساحةً للحروب، فتنال ما تنالهُ من مذابح، فتُقتلع شُجيراتها، ويُحْرق عُشْبَها، وتُلَطَّخُ صخورَها بالدماء، وتُغرس في تربتها العظام والجماجم، لكنها بعد كل تلك الصور البشعة، تبقى تلك الصحراء هادئة ساكنة مطمئنة، ويظل قلبها سَيْحُ عطاءٍ وإيثار.

فكم من آباء بَتَروا شريانَ حياةِ أبناءِهم دون أن يتقصّدوا أذيتِهم!

تتعدد صور قسوة الآباء على الأبناء، فبعضها قرارات لا واعية، ورغم أن الظهور لا يوحي بواقع الحال، إلا أن قلوبهم تحبسُ دفء المشاعر وخلود الحب الفطري، فيما أن القرارات العقلانية في بعض الأحيان نتائجها قاتلة لكيان الأبناء، فيذبحونهم من حيث لا يشعرون.

رأي : ليالي الفرج

l.alfaraj@saudiopinion.org

دبلوم عالي في التربية، بكالوريوس لغة عربية، كاتبة في عدد من الصحف العربية والخليجية وكذلك صحيفة الشرق ما بين 2012 الى 2017م، عملت في مراكز تعليمية وحصلت على عدة دورات متقدمة في اللغة الإنكليزية والتجارة الالكترونية. طالبة دراسات عليا حالياً في الولايات المتحدة الامريكية. صدر لها عدد من الكتب في مجال التعليم والشعر والقصة القصيرة والنقد الاجتماعي

2 تعليقات

  1. نحتاج كثيراً لإثارات حول هذا الموضع وأمثاله
    شكراً

  2. الى ليالي الفرج
    الموضوع انساني ونبيل ، والسرد مشبع بالأوصاف ، ولكن اللغة المستخدمة طغت على الحالة الانسانية موضع البحث ، ببحيث يصور للقارئ وكأنه امام نص ادبي منزوع من دسومة الام القضية المراد البحث للخروج من هذا الموروث القاسي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *