الرئيسية / همسات ( سلمى بو خمسين ) / حقائِبُنا الوراثية

حقائِبُنا الوراثية

كل منا يصل إلى هذا العالم فيستلم حقيبتين وراثيتين، الأولى هي حقيبة جيناته وكل التفاصيل الدقيقة المنقوشة على حمضه النووي وهو ما يحدد شكله، لونه، وضعه الصحي، طباعه وقابليته للإصابة بالأمراض.

أما الحقيبة الثانية فهي حقيبة أفكاره، قناعاته وعقائده، وهو مصداق لقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: فأبواه يهودانه أو ينصرانه. حيث يتشرب كل منا موروثه الديني والاجتماعي والثقافي منذ نعومة أظافره فيشب وهو متماهٍ تماماً معه ومن الأرجح أنه سيحمله دون تنقيح أو مراجعة من المهد إلى اللحد.

لتلك المُسلمات التي تغرس فينا منذ الصغر سِحرٌ عجيب حيث أن لها حصانة ضد عقلنا التحليلي الناقد، فمن السهل اكتشاف عيوب وثغرات موروث الآخرين بينما نميل إلى تنزيه موروثنا الخاص والاعتقاد أنه خالٍ من الشوائب، وهكذا وبشكل غرائبي يظن الفرد أنه محظوظٌ جداً حيث ولد في البيئة الوحيدة التي وصلت إلى الحقيقة المطلقة وعلى جميع سيئي الحظ من خارج دائرته أن يجتهدوا في رحلة البحث عن الحق حتى يصلوا إلى ما استلمه هو منذ لحظة ولادته على طبق من ذهب. 

سيذهب بعضنا إلى أبعد من ذلك فيحمل راية الدفاع عن موروثه ومقدساته ويبذل من أجلهما الغالي والنفيس بل قد يفديهما بماله وروحه، الأهم من ذلك كله أن الموروث هو ما يشكل هوية المرء وانتمائه وشهادة قبوله الاجتماعي وقد يهدد بخسارة كل ذلك لو قرر فتح حقيبته الوراثية ومراجعة محتوياتها بعين جديدة كلياً غير مشبعة بالعاطفة، وهكذا نزهو بحقائبنا الوراثية ونعتز بها في حين يغلب أن نستغرب أو نسخر من حقائب الآخرين. 

اليوم وبفضل القفزات في الهندسة الوراثية أصبح البشر قادرين على تنقيح حقائبهم الجينية، أليس من الأجدر أن ننقح أيضاً حقائبنا الفكرية أو على أقل تقدير نحترم حقائب الآخرين!

رأي : سلمى بوخمسين

s.bukhamseen@saudiopinion.org

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *