الرئيسية / نكز ( محمد الراشدي ) / حكايتي مع “الخميني”!

حكايتي مع “الخميني”!

المرةُ الأولى التي سمعت فيها اسم “الخميني” -الإمام الخميني ولا أحد يزعل-  كانت ذات مساء طفولي، كنا فيه نقتعد الأسِرة الخشبية ذات الحبال في حوش بيتنا الرحب، والتلفاز الأبيض والأسود الموصول إلى البطارية ينقل إلينا فيما ينقله، أخبار الحرب العراقية الإيرانية، وعقب الأخبار سمعت في أحاديث أهلي مفردات حرب وقتل ودماء وشيء اسمه “الخميني”، كانت أخباره تلك باعث خوف مضاعف عندي، مرة لأجل الحرب والقتل، ومرة لأن اسم “الخميني” لا يشبه الأسماء المتداولة في قريتنا وجيراننا نحو، إبراهيم بن غمسة، أو عمر بن جده، أو أحمد بن شينة، وطبعاً فلم أعقل أن المسألة حرب ودول وزعماء، وكل الذي استقر في ذهني أن “الخميني” شيء أقرب إلى الوحوش، يترصد الناس ويقتلهم!

حتى إذا صمت التلفاز، وخلد أهلي إلى نومهم فوق أسِرتهم في “حوش” الدار، حركت نسائم الليل باباً من الحديد في الجهة الشرقية من ذلك “الحوش”، وحين سمعت صوت ارتعاد الباب خيل إلى أن أحدا ما يقف وراءه، وتملكني هلع شديد حين تخيلت أن “الخميني” هو الواقف بالباب، وأنه يكمن هناك في انتظار اللحظة المناسبة ليتمكن من تصفيتي جسدياً! فنهضت من سريري مذعوراً وقصدت شقيقتي الكبرى، وكانت غير بعيدة مني، وقلت لها: الباب يتحرك!

قالت وهي تغالب النوم: الريح تحركه. 

فقلت بصوت مختنق: يمكن “الخميني”!

فضحكت، وسخرت من جُبني وخوفي، وعدت إلى سريري منكسراً موجوعاً بالسخرية، أحمل وحدي هموم البوابة الشرقية والعدو المتربص وراءها، وأقول البوابة الشرقية هنا للتفخيم وحسب، وإلا فالبوابة الشرقية تلك لم تكن أكثر من جدار يريد أن ينقض، وباب من الحديد نهش الصدأ مفاصله، حتى أن جارتنا الكهلة “مسلية” كانت تتحاشى الدخول منه إلى بيتنا مخافة أن يتداعى فوقها الجدار فتهلك في الهدم، وقررت ألا أنام حتى أفوت على “آية الله الخميني” فرصة تصفيتي نائماً، وظللت أراقب تحركات العدو حتى غلب النوم خوفي وهواجسي، فلما تيقظت فجراً نظرت مباشرة جهة الباب، ولمت نفسي على تفريطي في الحذر ونومي و”الإمام” يترصدني، واستأنست بالحركة التي بدأت تدب في البيت وخطى والدي التي تسبق الفجر دوماً، وقمت أسير ناحية الباب بحذر، وفي الضوء الذي بدأ يتخلق في أفق الفجر ألقيت نظرة حذرة وراء الباب وكان “الخميني” قد غادر قريتنا متجها إلى طهران!، وما كان وراء الباب إلا أشجار السرح وثغاء الماشية في الزرائب.

فعدت مغتبطاً، وقد وقع في نفسي أن اليقظة الباكرة لوالدي أفسدت على “الخميني” مؤامراته الأثمة ضدي، فاندحر ونجوت، وازددت إجلالاً لوالدي حارس البوابة الشرقية، هذا قبل أن ينتقل اللقب لاحقاً لـ “الرفيق” صدام حسين!

رأي : محمد الراشدي

m.alrashdi@saudiopinion.org

قاص وناقد صدر له عدد من المطبوعات منها "احتضاري"، مجموعة قصصية , " شهد على حد موس"، مقاربات في الثقافة والأدب , "أيقونة الرمل" مقاربات نقدية في تجربة الشاعر محمد الثبيتي , "نكز"، نصوص ساخرة , "العقرب"، مجموعة قصصية. حائز على عدد من الجوائز منها جائزة أبها الثقافية في القصة القصيرة عام 1435 , جائزة سوق عكاظ الدولية للسرد العربي، في القصة ،1438, جائزة أدبي حائل للقصة القصيرة، 1439, كتب في عدد من الصحف الورقية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *