الرئيسية / كلام أقل ( احمد الملا ) / هل تثأر “الليبرالية” من “الصحوة”؟

هل تثأر “الليبرالية” من “الصحوة”؟

يقارن البعض بين مظاهر التشدد السلوكي في المجتمع السعودي خلال عقود هيمنة “الصحوة” وبين مظاهر “الحداثة” والتغيرات التي يشجعها الفكر الليبرالي، وكثيراً ما ينتج من هذه المقارنة، إشارات ضمنية تساوي بينهما، وهذا ليس من العدل، فلم تكن “الليبرالية” يوماً مغتصبة للرأي المختلف، فشعارها الرئيس، التعايش والتعدد بين الأفكار المختلفة في مجتمع واحد، تحت مظلة القانون.

“الصحوة” لم تكتف بفرض تصور أحادي على المجتمع، بل مارست عنفها لغة وواقعا، وحرضت الجهات الرسمية على المختلفين معها وتجاوزت ذلك حد التشكيك في ولائهم، إلى التكفير وإهدار الدم.

استعانت ظاهرة “الصحوة” بسكونية القرارات وفسرت أنظمة الدولة في الحياة الاجتماعية كما ترغب بأقصى التفاسير المتشددة، معتمدة على “نظرية المؤامرة”، حتى استطاعت تبديل القناعات الغالبة في المجتمع من الوسطية الى تطرف في السلوك وانعزال عن المشاركة الإنسانية، وأحادية العقل، في هيمنة أقصت الأفكار المعتدلة، بالتخويف تارة وبالعقاب الاجتماعي تارة أخرى.

نتج عن ذلك تراجع حد الاختفاء لكل أفكار معاصرة، بل حتى التساؤل والمراجعة لتلك القناعات تم وأدها في العلن، وبقيت في الصدور يتهامس بها المعارف فيما بينهم، ومن قدم آراءه علانية حلت عليه لعنة المعارك المفتعلة، وحروب طاحنة ممنهجة، اذا كان عَلَماً مثل غازي القصيبي وتركي الحمد، أما من عبر عن أفكاره بطرق أدبية وفنية، فقد تم التضييق عليه والطعن في شخصه،  واتهامه في نواياه و تصفيته المعنوية داخل المجتمع – مثال كتاب الحداثة في ميزان الإسلام- وفي العمل العام تم عزل المختلفين مع الصحوة وتقريب الموالين. 

مع انطلاق رؤية 2030 بما حملته وما تعد به من “جودة الحياة”، غالبية المجتمع الشاب يسير بشغف نحو اكتشاف ذاته وتحقيقها في مختلف الميادين في فضاءات مشتركة، كانت حصراً على قلة وفي نطاقات ضيقة، ها نحن نراها سلوكاً عاماً، بالتزامن مع قرارات وقوانين تضبطها وترسخها، ومن صميم فلسفتها، مسايرة العصر، والقبول بمظاهر الفرح والتعبير عنه،

وكفالة حقوق الفرد المسؤولة.

المفارقة أن “الليبرالية” -التي شُوّهت مفاهيمها عبر العقود الماضية- لا تغير ثيابها، وتستمر في حماية حرية الاختيار والتعبير، أي حق المختلف والمتفق على السواء، كل يسلك حسب قناعته، فمن يرغب حضور حفل موسيقي له ذلك، ومن لا يرغب فله عدم الذهاب، دون تنقيص من الطرفين، “الليبرالية” تحترم الرأيين على ألا يفرضه طرف على الآخر.   

من ينقلبون مع الموجة السائدة، لم يتعافوا بعد من عداوتهم لـ “الليبرالية” المشوهة، فقد غُرس في دواخلهم ويعز عليهم الاعتراف بخطأ موقفهم السابق منها.. لذا يحاولون مساواة تشدد الصحوة مع حرية “الليبرالية” ووصف الفريقين بالتطرف إخلاصاً لعادة قديمة وللتخلص من تأنيب الضمير، ظناً أنهم على صواب من قبل ومن بعد.

بهذا الشكل ليس لـ “الليبرالية” ثأر مع الطرف المختلف معها، بل سنجد العديد ممن اضطهدها يحتمي بها، وبعض من عاداها يطبق أفكارها بحماس.

رأي : أحمد الملا

a.almulla@saudiopinion.org

شاعر من السعودية، أصدر عشر كتب شعرية منذ عام 1995م، حائز على جائزة محمد الثبيتي الكبرى 2015م . عمل في الإدارة الثقافية، في عدد من المؤسسات مثل نادي المنطقة الشرقية الأدبي وجمعية الثقافة والفنون بالدمام والأحساء، كما عمل في الصحافة . مؤسس ومدير مهرجان أفلام السعودية، ومهرجان بيت الشعر .

10 تعليقات

  1. كم انت جميل اخي احمد في هكذا مقال لقد احتوى المقال على تشخيص الاخطاء التي قد يستفيد منها الخطاؤون حين امتلاكهم ارادة تصحيح مسارهم.

  2. شكرا أخي أحمد ..
    كل ما نتمناه، هو التقبل والتعايش السلمي بين الأفكار وأصحابها.
    سلمت

  3. محمد بن خالد بن سعود

    اعتقد ان الاجابة المنطقية على سؤالك هي
    نعم
    خاصة اذا علما ان الحالة الليبرالية هنا لم تنضج ولم تكتمل في الاداء المجتمعي او لمن تبنوها
    لذلك ارى الثأر هو المسيطر على المشهد

    1. شكرا أخي محمد ..
      الليبرالية هي حرية الإختيار، والثأر يقوض فلسفتها، يمكن أن يوصف ما يحدث من مغالبة، لتوصيف مختلف عن كونه ليبرالية.
      محبتي

  4. المفارقة أن “الليبرالية” -التي شُوّهت مفاهيمها عبر العقود الماضية- لا تغير ثيابها، وتستمر في حماية حرية الاختيار والتعبير، أي حق المختلف والمتفق على السواء، كل يسلك حسب قناعته، فمن يرغب حضور حفل موسيقي له ذلك، ومن لا يرغب فله عدم الذهاب، دون تنقيص من الطرفين، “الليبرالية” تحترم الرأيين على ألا يفرضه طرف على الآخر.

    دعني استاذي اكمل هذا النص بالعبارة التالية وهي : اضافة الى ذلك فقد شوه معتنقي ذلك الانجاه فكرة الليبرالية الحقة التي تنادي بالحرية الانسانية فالبسوها بالشخصنة

    1. أخي العزيز … الذكير
      أتفق معك في أن تشويها كبيرا أصاب مفهوم الليبرالية، خلال العقود الثلاثة الماضية، أتمنى أن يكون المناخ مهيئا لتصحيح تلك الأخطاء.
      محبتي

  5. هنا سيكون مفترق الطرق

    فثأر سيكون ضحلا لمن تبنى ذلك الفكر او ذاك وبالتالي لن يكون مردوده الايجابة على الاصل وهو التوجه ايجابيا

    1. أخي خالد ..
      سلامي
      نتمنى أن نذهب في هذا الإتجاه الذي تشير إليه، نحو الإيجابية ..
      محبتي

  6. هذه الليبرالية… الم تكن محرمه ذات يوم
    بل ان من يعتنق توجهاتها يحاكم !!

    مقال في الصميم اخي احمد ومبارك عليك هذه الصحيفة التي ولدت كبيرة ومختلفة ومتنوعة

    1. أهلا بك أخي هادي ..
      التغير سنة الحياة، المهم كيف نتغير،
      ألف شكر على تهنئتك الكريمة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *