الرئيسية / بعض الاقاويل ( طارق العرادي ) / العيش في جلباب السياسة

العيش في جلباب السياسة

يرى المفكر المغربي محمد شهيد أن تصوراً خاطئاً عن تاريخ المسلمين نشأ عندما تم اختزاله في الجانب السياسي والعسكري مع إغفال الجانب الاجتماعي والثقافي، وكيف أن المجتمع الإسلامي ظل حيوياً ونشطاً ومنتجاً ومتفاعلاً مع محيطه. وضرب مثلاً لإنتاج النخب، فهذا “الشاطبي” كتب “الموافقات” في ذروة الانحطاط السياسي في الأندلس، وفِكر “ابن تيمية” استوى في ظروف سياسية وأمنية شديدة الصعوبة ومثلهما “الغزالي” و”الجويني” -رحهم الله- جميعاً.

يمكن أن تنسحب دلالات المقدمة أعلاه على واقعنا المعاصر وظاهرة الاستلاب للأزمات السياسية حيث أصبحت النخب في حالة انتظار لما يجود به الموقف السياسي ليمارسوا تعقيباً ثقافياً والسير في فلك ضبابي دون أن يتبين في الأفق مشروعاً ظاهراً يمكن أن يسترشد الواقع به.

إن الأمر يتعقد أكثر عندما تختلط الحالة السياسية بالمفاهيم الوطنية فيصبح من الصعب على الجميع تشريح الظواهر وفصل المواقف لتنحرف البوصلة وتشحن الأجواء وتسود حالة مربكة في العلاقات بين الأطياف المختلفة تنتهي بالركود الفكري وجمود المجتمع، فالاستنجاد بالفكر والعلم والتجربة البشرية حين مقاربة المراحل هي الحل الأمثل لمقاومة تغول الأحداث السياسية والارتهان لها، وهذا لا يعني بحال إهمال الشأن السياسي أو القطيعة معه بل القصد إحداث مجال متوازن تنمو فيه كل الاتجاهات.

في حالتنا الراهنة يمكن الإشارة إلى حركة الأجيال فعند مقاربتها تجد إنتاج المثقفين يضع المظلة السياسية أولاً ثم يفسر الأحداث على أساسها، ماذا لو قام الفاعلون في كل مرحلة كتابة سيرهم الذاتية لتكون شاهدة على تفاصيل الزمن بدل القولبة الجاهزة؟ ماذا لو امتلك المجتمع زمام حريته وتحرك في كافة الاتجاهات وفق ما يمليه وعيه واستعداده؟ ماذا لو استشرف العلماء والمفكرون حاجات المستقبل وفق معطيات الواقع وجاء تنظيرهم وفق ذلك؟ أتركها أسئلة مفتوحة على مآلات تحتمل كل شيء.

إن الاكتشاف المتأخر للذات، وارتباك المفاهيم والتحول في الاتجاه الخاطئ وردود الأفعال الحادة وتراجع الحالة العلمية والفكرية كلها أضرار تقع على الفرد وعلى المجتمع عندما لا نتقن المسافة مع الأفق السياسي.

الرأي : طارق العرادي

t.alarady@saudiopinion.org

طــارق علي العرادي البلوي، استشاري باطنية, يدير حالياً مستشفى الملك فهد التخصصي بتبوك، عضو عدد من الهيئات الصحية والطبية وكذلك جمعيات طبية خيرية ، كاتب رأي في صحيفة الشرق ، والعديد من المواقع الالكترونية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *